رسائلُ بلا أسلاك: تأملاتٌ في “خوارقِ” اللحظة

ربما حدث معكم كثيراً مثل هذا الموقف:

كأن تريد الاتصال بصديق فيتصل بك؛

أو يجيء في بالك فيظهر فجأة في طريقك؛

وحدث مرة أن تحدّثت مع أحدهم عن الشوربة فإذا بها تقدم لنا في أكواب

_وبين الحديث عنها وتقديمها أقل من دقيقة_

وفي حالة كهذه يقول الناس بعدها لو ذكرت [المليون] كان أفضل لك!

ثم قرأت قريباً بأن هذا شكل من أشكال (الباراسيكولوجي) في علم النفس ولا تحليل يشفي الغليل عنه حتى الآن..

وذكَره علي الوردي في “خوارق اللاشعور” وقال :

جئت يوماً إلى منزل صديقي في زيارة لم تكن متوقعة، ووصلت إلى المنزل ظهراً؛ فوجدت زوجة الصديق تعد لي الغداء؛ ودهشت لهذا العمل لأن اليوم الذي جئت فيه لم يكن آخر الأسبوع الذي كنت أقضيه في العادة عند هؤلاء الأصدقاء،

وأقبلت الفتاة من الحديقة وقالت :” إذن لقد تلقيت رسالتي اللاسلكية في هذا الصباح.

لقد كنت شديدة الرغبة في أن تجيء إلينا بعد الظهر اليوم”

و الحق أني حين بدأت رحلتي في صباح ذلك اليوم لم أكن أدري ما يحملني على الذهاب إلى بيت الأصدقاء، ولو إنساناً سألني عن سبب هذه الزيارة المفاجئة لتحيّرت في الجواب؛ وكل مافي الأمر أني أحسست بالرغبة في الذهاب إليهم

وكانت هذه الحادثة مثلاً من حوادث أخرى كثيرة من نوعها

إن هذه القصة تفتح لنا مجالاً كبيرا للتأمل.

فرغبة تنشأ في شخص ما تجعل شخصاً آخر يستجيب لها من مكان بعيد..

إن هذا أمر يصعب علينا تصديقه ولكنه على أي حال ممكن!.

وماهي عنكم ببعيد _بلاشك_ قصة سيدنا عمر يوم نادى

“ياسارية: الجبل الجبل”

“فضيلة شراء الأجاويد”

اختلفت مرة مع صديق عمل ..

فقررت عدم العمل معه ثانيا وخاطبت مديري بذلك.. وكان رده حرفيا :

“Give him a second chance”

“اعطـــه فرصـــة ثانيـــة”

وحدثني عن أهمية أن الكل يحتاج تساهل وتجاوز

ذات عثرة وقع الدبلوماسي الفصيح سهيل بن عمرو أسيرا يوم غزوة بدر

اقترح عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقتها أن ينزع ثنيته ويقطع لسانه فلا يقوم خطيبا أو محرضا بعدها!

فرفض النبي صلى الله عليه وسلم ، وعقّب قائلا لعمر :

(لعل سهيلا يقف غدا موقفا يسرّك)

وفي سنوات قليلة تحققت النبوءة ووقف سهيل بن عمرو رضي الله عنه وأراضاه خطيبا بمكة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم

يثبّت المسلمين يوم اهتزت العرب !

“هذه عظمة الفرصة الثانية”

يشخّص زيجمونت باومان في كتاب الحياة السائلة القطيعة السريعة في العلاقات والتي تتنافى مع مبدأ “اعطه فرصة ثانية” فيقول:

“أصبحت _العلاقات_ تدار كمشروع استثماري نبحث عن علاقات مريحة، قابلة للإلغاء عند ظهور أي تكاليف عاطفية غير متوقعة!”

وفي عالمنا السائل نحتاج إلى إبطاء وتيرة الحكم على الآخرين ،

ويرى باومان أنّ الذي أثر في تغيير العلاقات السريع ( أن البديل الجديد متاح)

عبارات كـ طحت من عيني/ ماتوقعتها منك / انته تسوي كذا

تقال منا وفينا لأدنى زلة!

وإن قيلت حينا في مكانها الصحيح فهي مبالغة كبيرة، تتنافى مع تفاعلات الصعود والنزول في الطبيعة البشرية.

أذكر أني كتبت تغريدة إثر موقف :

“ياعُمر.. إنه شهِد بدراً” : إذا زلّت قدَم فتّش عن معروف سابق؛ ففي حياةِ كُلِّ واحدٍ بدراً تغفرُ له!

والمهاتما غاندي يبصم بالعشرة:

“إن سياسة العين بالعين ستجعل العالم كله أعمى”

لحى الله كل تنوير حداثي يهمس في أذن الناشئة أن تخففوا من ركب العلاقات باسم “علاقة سامّة Toxic relationship”

وأين فينا مقام الصبر الذي هو من عزم الأمور ( وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ» (الشورى:43)

في الختام سأحدّثك عن البداية :

يقول العربي القديم العباس بن الأحنف:

راجع أحبتك الذين هجرتهم..

إن المحبب قلّما يتجنب!

محمد أحمد بارحمة

16 شعبان ـ 1446هـ

كيف يخدعــــك عقلك كل يوم!

يحكي لي أحد الأصدقاء قصة خطوبته فيقول : كنت قد وضعت معايير للمرأة التي أريد الزواج بها

دلتني إحدى قريباتي على مشرفة دار تحفيظ فأعطيتها المواصفات وردت لي : ” أبشر خير “

بعد يومين عادت واتصلت بي للتأكد من إحدى الصفات ،

وأخبرتني أنها وجدت فتاة الأحلام بتلك المواصفات،

إلا أنها أرادات التأكد من أمر ، فسألتني هل هناك قبيلة مفضلة ؟

فقلت لها : قبيلة (كذا)

فقالت: سبحان الله البنت من قبيلة “كذا”

“أنت في أي حي؟” فقلت لها بالحي الذي أعيش فيه

فردّت : ” سبحان الله هم للتو ينقلون لهذا الحي!”

وتقدم فعلا صاحبنا الشاب لهذه الفتاة الذي سيق له على حد تعبيره أن تكون مطابقة لما يريده

وما لبث أن مر شهر إلا وقام بفسخ الخطوبة لأسباب عدم التوافق !

سآخذ من وقتك قليلا واضرب مثالا تقريبيا آخر..

شخص من عادته أنه يتردد مع والده للمسجد كل مغرب، وكان والده يتمناه مهندسًا ويناديه:

أهلا بالمهندس مرحبا بالمهندس

في آواخر المرحلة الثانوية وهو في غمرة التفكير في اختيار المسار الجامعي

هل يلبي رغبة والده أم ثمة خيار آخر؟

استلقى ذات جلسة في المسجد فرأى في منامه أنه يلبس قبعة المهندسين ويعمل في وسط بناية كبيرة

فسارع إبان هذه العلامة (المقدسة) لتلبية رغبة والده واختار (الهندسة) ..

مرت السنوات ، وفي آخر سنة له ..

ترك الهندسة وتحول للشريعة!

أتدري كيف يخدعنا العقل؟!

حين تحل الرغبة فينا ، يحول العقل كل الإشارات الغامضة والتي لا معنى لها كبير إلى دليل مقدس (لون /حلم/ رسالة لحظية صادفت أنك تفكر في الموضوع/صدى أغنية تقول لك رووح /توافق في النطق)

ويبدأ بالتعامل معنا كـ خورزميات منصات التواصل تعطينا على قدر اهتمامنا وتظهر لنا مانريد

ديفيد أيغلمان عالم الأعصاب وباحث في الدماغ، في كتابه الدماغ أسطورة التكوين : يخلص إلى أن الدماغ لا يسجل الواقع كما هو ، بل يبنيه عبر تصفية المعلومات

ومثال ذلك : عندما تنظر للسحب وتراها تشكلت على شكل وجه ، أو كائن فهذا ليس سحرًا

بل دماغك هو من يملأ الفراغات!

مخيف أن نظن أننا على صواب،، ونحن خلاف ذلك

مخيف أن نظن الرؤية واضحة،، والعدسة للأسف معطوبة

في أول فجرية من رمضان نظرت لمن حولي في المسجد قبل إقامة الصلاة فوجدت القاسم المشترك بيننا، أننا في الصفحات الأولى من سورة البقرة ، تناقش أول آيات هذه السورة داء وبائي قاتل وهو “الوهم” غير المحسوس :

(هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ) البقرة

(هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ) البقرة

وفي أكثر من عشرة مواضع في القرآن تستغرب كيف ينبي الإنسان قصورا على أرض السراب:

(يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) الكهف

(يحسبون أنهم مهتدون)

وفي وصف الذين استحوذ عليهم الشيطان بسورة المجادلة:

(ويحسبون أنهم على شيء )

كتبت في تطبيق “الباحث القرآني” كلمة: زين لهم الشيطان

وردت تقريبا في 7 مواضع في سياق “الإهمال الرباني”

آيات تريك كيف أنه ربما يتزين للمرء عمله فيراه حسنا وهو موغل في القبيح!!

إنها متاهة أن نكون قابعين في سجن فكرة أو موقف ونظن أننا على صواب

متاهة أن نثق بموضع أقدامنا وهي في موطن زلل

والأثقل من هذا والأمرّ أن يسلب منّا الشعور الذي نحس فيه أننا على خطأ وندخل اللاستشعار

أن تعيش سنوات وأنت تحمـل مسمى لا حقيقة فيه ، وتقف ناحيةً لا وجهة فيها ،

مفكر ضائع..

أو خبير جاهل

أو مبتكر مقلد

أو فيلسوف سطحي

أو تاجر مزور

أو متدين غاش

أو رائد أعمال متباهي بما ليس عنده.

يأتي رمضان كل عام مداويًا، الشهر الذي نسمع فيه مع كل صلاة تراويح

“اهدنا فيمن هديت ، تولنا فيمن توليت ، عافينا فيمن عافيت”

يسهم رمضان والذي سماه الأديب الرافعي “مدرسة الثلاثين يوما”

في تخفيف طاحونة الركض وسيرك الانفلات دون تأكد من الطريق..

والذي يصنعه هذا الشهر الكريم لو أعطيناه حقه: “مكاشفة وفحص”

أنه كاميرا علوية يكشف لنا كامل التضاريس

رمضان فرصة لرجاء الهداية والسداد الذي لا ننفك عن طلبه في كل صلاة (اهدنا الصراط المستقيم)

فتقيم جدار روحك الذي كاد ينقض..

أن تزيل ما علق في أتربة منارتك..

أن تسأل نفسك: على ماذا كنت أتكئ؟

أن تواجه ذاتك الشاردة بالتمنّي الكذوب..

أن تعتني بالندبات المؤجلة..

أن تشد التروس المرتخية..

أن ترتب فوضاك وتخرج من الحيرة..

أن تعود أنقى وأقوى..

رمضان يقول لنا : خذ مسافة لتتحقق من الصورة.. “صورة نفسك”

في تفسير قول الله تعالى

{ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ }

يقول الفضيل بن عياض أي :

لا تغفلوا عن أنفسكم

محمد أحمد بارحمة

4 رمضان 1446 ه

لماذا نكره ما كنّا نصلي لأجله؟

أذكره جدا .. وأذكر مكالمته الصباحية الطويلة لي

كان صاحبنا حديث عهدٍ بالتخرج من الثانوية

وكان يلظّ بالدعوات :

“اللهم أرزقني مقعدًا في جامعة (x) !“

ويسابق الريحَ إلى أبواب المعارف والمسؤولين طالبًا “زلفى” تُقرّبه منها ولم يدخر معرفة إلا واتصل وطرقها.

وقُبل في الجامعة

قبل شهور قليلة وهذا يعتبر (بعد 3 سنوات من قبوله)

كنت أقرأ له

“الجامعة تسرق العمر”

وأصبح يتذمر:

“الجامعة سجنٌ”

حين نكره ما كنّا نصلي لأجله؛ هل هناك تفسير نفسي أو علمي؟

١- لنسمها ظاهرة:

“الصدمة بعد تحقيق الحلم”

في كتابه “الإنسان والبحث عن المعنى“

يروي “فيكتور فرانكل” أن بعض الناجين من معسكرات الاعتقال النازية شعروا بالاكتئاب بعد التحرير!

لماذا؟ لأنهم طوال سنوات الألم، جعلوا من “الحرية” وقودا يُعطي معنى لصبرهم.

فلما تحققت، واجهوا سؤالًا وجوديًا صادمًا: “وماذا بعد؟”.

فكان : الفراغ

هكذا يصبح “القبول الجامعي”

أو “الوظيفة” أو “الزواج”

مجرد جسرٍ نعتقد أن عبوره نهاية المطاف، لا بداية المسير الحقيقي!

٢- أحد التفسيرات لهذه الظاهرة التي تجعلنا “نكره ما كنّا نصلي لأجله“

نظرية

“تأثير الهبوط العاطفي”

((Arrival Fallacy

لـ د. تال بن شاحار :

حيث نعتقد أن تحقيق الهدف

سيُسبب سعادة دائمة،

لكن المشاعر الإيجابية

تتلاشى سريعًا بعد تحقيق ذلك.

يشرح عالم النفس “دانييل جيلبرت”

في كتابه التعثر في السعادة

أن الإنسان يُبالغ في تصوّر سعادته المستقبلية عند تحقيق هدف ما، لأنه يتخيل النتيجة مُجرّدة من المشاق اليومية المصاحبة لها.

ينسى الاستيقاظ المبكر، والامتحانات، وصراع السيارات!

من زاوية أخرى يشرح جيلبرت ظاهرة

“التوقع العاطفي الخاطئ“

حيث يقلل الناس من شأن المشاق اليومية المصاحبة لتحقيق الأهداف.

إننا نبالغ في تقدير سعادة تحقيق الأهداف لأننا نركز على لحظة النجاح، وننسى التكاليف اليومية المصاحبة (مثال: من يسعى لتملك منزل يتخيل لحظة الحصول عليه وتأثيثه، لا سداد القروض!)

ووفقًا لدراسة أجرتها جامعة هارفارد (2018) حول “سعادة تحقيق الأهداف”، تبيّن أن ٤٢٪

من الأشخاص الذين حققوا أحلامًا كبرى (مثل الشهرة والثراء والوظيفــــة وغيرهــا) شعــــروا

بخيبة أمل خلال عام واحد، لأنهم توقعوا أن الهدف نفسه سيجلب السعادة الدائمة،

بينما الواقع جاء مليئًا بالمسؤوليات غير المتوقع.

٣- داهية العرب عمرو بن العاص يفتح أذهاننا على سبب ثالث

«إن الملال – الملل- من سيء الأخلاق»

قرات لابن حزم توصيف بديع في صنف من الناس لديهم عدم الصبر على إلف حالة واحدة اسماها “هجر الملل”

كالذي يشبه فعل بني إسرائيل يوم كانوا في “مرحلة التيه” ورجوا موسى :

(ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا )

في تفسير الطبري :وكانوا قد ظلل عليهم الغمام، وأُنزل عليهم المن والسلوى،

“فملّوا ذلك” ، وذكروا عيشا سابقا كانوا فيه !!

وكانت عاقبتهم :

(اهْبِطُوا) + (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ)

يصف الله سبحانه وتعالى في كتابه هذا السلوك البشري في قوله :

{وَإِذَا مَـسَّ الْإِنسَــانَ ضُــرٌّ دَعَـا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ}

سورة الزمر (آية 😎

في الختام سأحدّثك عن البداية :

إذا وصلت إلى الجزيرة،

كن ممتنا

ولا تلعن الأمواج التي أوصلتك!

محمد أحمد بارحمة

٢٥ شوال

مجتمع الجزر المعزولة

مجتمع الجُزر المعزولة!

مرة سمعنا في العمارة هواش جارنا مع زوجته

كان هذا قبل أكثر من 20 سنة

الأصوات تعالت .. والدي نظر لوالدتي

والدتي ألمحت إنه هواش متكرر بينهما ذي الأيام!!

رأيت والدي ينتظر بعد الصلاة، ويقف مع جارنا

وأنا أقترب منهما وابتعد منشغلا أو متظاهرا بالإنشغال..

تارة تسمع ولا تسمع، ينطبق قول الشاعر

“حفظت شيء وغابت عنك أشياء”

نظرات الأباء كانت تضعك في سياق

هل لك خصوص بالنقاش أم أدر ظهرك!

التقيا وتحدثا عن المشكلة وبأريحية

ينتهي الحديث بين والدي وجارنا

بمصافحة حارة ، وهكذا

لم نعد نسمع بهواش الجيران!

بحكي المسيري:

“أذكر أنني كنت أسير في إسطنبول عام ١٩٧٧، وكان هناك طفلٌ في العاشرة يدخن سيجارة فزجره أحد المارة، أي أنه لعب دور الأب برغم أنه كان لا يعرف الطفل! ولكنه الإِحساس بالمسؤولية الاجتماعية في المجتمع التقليدي، وهذا أمر يستحيل أن يحدث في المجتمعات الحديثة، خاصة في المدن الكبيرة.”

ماهو موقعنا في مؤشر المجتمعات الصحية؟

لنضع اليد على الجرح ..

لنحلل الرحلة

من “التضامن” إلى “مش شغلي”

1- التنفيس الكاذب

حيث حلّ الإعجاب بمنشور ضد التدخين بديلًا عن منع طفل من التدخين في الواقع

وحلّ نشر مقطع مشاجره على تيك توك

بديلا عن تقويم الخطأ وكفّه في بدايته

والبديل بحسب إميل دوركهايم عالم الاجتماع الفرنسي: أن المجتمعات الصحية تحافظ على تماسكها عبر “التدخل المباشر” لضبط السلوك

2-

الممرّض VS حاضن للمرض

باتت المتعة في النميمة وتداول الشائعات بدل قطعها ومعالجتها سريعا إبّان خروجها

يرى هابرماس أن”الصحة المجتمعية”

تقاس بقدرة الأفراد على حل المشكلات عبر الحوار المباشر لا عبر الشائعات والنميمة

فالمجتمعات الصحية تعالج المرض ولا تحتضنه تتقي تسرّبه في مقابض الأبواب عند كل لقاء والمصافحات وفي كل محفل

وتتبنى جرأة التصحيح (لا جرأة التجريح) والتحول للفعل الإيجابي بدل الإنفعال!

وفي تجربة اجتماعية لطيفة في السويد:

نشر الجيران في عمارة واحدة تقرير شهري عن:

“كم خطأً صححناه معًا”

بدل”كم شكوى قدمناها”!

3- مجتمع الجُزر المعزولة

في دراسة ميدانية (2023) أظهرت أن:

89% يعتبرون الأمر بالمعروف “واجب العلماء فقط”!

“54% بحسب الباروميتر العربي” (2022)، من المشاركين في 12 دولة عربية يرون أن التدخل في الشؤون العامة (مثـل الإبلاغ عن الفسـاد) قد يعرّضهم للمخاطر.

هنا هوس الخصوصية و الإنكفاء

والنتيحة = قتل التكافل

ولعلي أستعير عبارة للكاتب الأمريكي روبرت بوتنام في كتابه : بولينج بمفردنا:

“المجتمعات الحديثة تحولت إلى جزرٍ معزولة.. يعرفون كل شيء عن المشاهير، ولا شيء عن جيرانهم”

المسؤولية على الجميع!

المسؤولية على الجميع.

أمّا الإنكفاء المطلق: عجز

ولعدم التفريق بين الزجر اللين حين ترى ابن جارك يشتم أو يتعاطى مالا يصح ،

وبين الخطر المحدق المعقد مما يتطلب روح القانون وتشريع المختص = بين هذين الفيصلين ضاعت الكثير من المسؤولية

فمثلا ليس غريبا في سنغافورة أن يزجر المجتمع من يرمي النفايات في الشارع ولو كان سائحـا!

في الختام سأحدّثك عن البداية :

الحل يبدأ بإعادة تعريف “شغلي”

﴿ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

محمد أحمد بارحمة – ذو القعدة 1446

لا يغرفونك الرجاجيل

“لا يغرفونك الرجاجيل”

على طريقة : قلّي.. وسوف نتقرّب أكثر

يتناجى الناس عن الأسرار ومشاركة السر تدل على مرتبة الصداقة

إذ كلما تقارب شخصين قلّت بينهما كتم الأسرار ، وكأن الأسرار قربان الصداقة..

وأشارت إليه اليسا بيدروف “إلى أن مشاركة السر تدل على مرتبة الصداقة أكثر من المؤشرات الأخرى كالتقارب وتشابه الاهتمامات ونحوها، فدرجة الإفشاء تكشف عن مستوى العلاقة أكثر من غيرها.”

والنساء كما تعلمون في هذا مذهبهن أوسع

ففي دارسة خلصت إلى أنه تعتبر الأسرار جوهر معظم صداقات الفتيات والنساء، وقد يواجهن مشكلة مالم يكن لديهن أسرار يفصحن عنها!

وشعوب عن شعوب تتباين :

فأنت تجد ثقافات ومجتمعات، يختفي فيها كل أمر ،فلا يقال بأن المرأة حامل ، ولا يقال لدي وظيفة جديدة!

وثقافات يعرفن أن أبا صالح استخدم حمام المسجد أربع مرات في اليوم ويتصالحون مع إنتشاره!

وهذا التباين الثقافي يشمل حتى الفروق بين الثقافات الغربية،

فمثلا وُجد أنه يميل الفنلنديون إلى الصمت مددًا أطول بكثير من الأمريكيين، وتميل ثقافتهم ولغتهم إلى التحفظ وعدم البوح،

حتى قيل على سبيل الطرفة – أن رجلا فنلنديا أحب زوجته حبًا جما حتى بلغ به الحال مرة أنه كاد يخبرها بحبه!

من هم الأكثر عرضة للغرف؟

ثمة أعراض للتعرض للإفشاء بدوافع وطرق مختلفة

1-الحرب الباردة في واتساب:

يلجأ البعض للتنفيس المتواري، فمن الأساليب التي رصدتها الأبحاث المختصة (2015 Amakrani)

ما يسمى الإفصاح غير المباشر أو الضمني، وهو الأكثر شيوعًا بين المستخدمين السعوديين في إحدى الدراسات، وذلك إما بنشر آيات قرآنية، أو أحاديث نبوية، أو نصوص شعرية أو اقتباسات رواية، أو ما شابه ذلك لتعكس الحالة النفسية والظرف الشعوري الذي ينتاب المرء حين الحاجة إلى الشرح المباشر أو الخوض الفعلي في الإفصاح عن الذات والحال.

2-فراغ المجالس:

الأشخاص العرضة للغرف هم الذين يريدون تعبئة المجلس معنويا

وكأن مسؤولية فاعلية الجلسة على عاتقهم

فلو قلّت الغرائب في مجلس ، سرّب معلومة من هنا ، أو لو أراد جذب الانتباه قال معلومة خاصة .

يتسول المغروفون اهتماما

فيلقون بالكلمات دون مراجعة

ينشدون الرضا بقول غرائبهم

ويطلبون الشفقة على عجرهم

أصل مادة السر في العربية تدور حول معنى الغور والعمق مع الامتداد والدقة، ومنه سرّة البطن، والخطوط في الكف والجبهة تسمى أسرار، ومنه سمّي السرور سرورا لأنه انشراح يظهر من عمق الصدر،

فكيف تتكشف ياصاح؟

ولكي لا تكون مغراف

خذ العبرة ولو قليلا من مبدأ أوميرتا في عدم الترخص عنوانه”أصمت لتبقى أطول” وفيه يتعاهد أعضاء عصابات المافيا على الصمت مدى الحياة،

وهو قانون الشرف فيما بينهم المسمى أوميرتا ويقضي بالحظر التام لأي نوع من أنواع التعاون في الإفصاح، ويعتبر من أهم أسباب بقائهم واستمرارهم، لتعذّر كثير من الإدانات في ظل غياب الاعترافات (Scheibe, 1979)

واختر صديقا بلا لسان أو دولابا

حكى مسكويه عن صاحب له عرَف سرا، فأتعبه كتمانه، قال:

« فلم أجد حيلة لِما أجد من الكرب غير أنّي ذهبت إلى ناحية من الدار خالية فيها دولاب خرب، فنحّيت من كان حولي، ثم قلت : أيها الدولاب :من الأمر والقصة كذا وكذا”

وأنا والله أجد من الراحة ما يجده المثقل بالحمل إذا خُفّف عنه، وكأنني فرغتـه مـن وعاء ضيق إلى وعاء أوسع منه

وتفهّم أن من البوح شيء فيه شفاء إذا خرج بقدر معلوم في زمن معلوم مع شخص معلوم

ابن المسيب قال لرجل: أأنت الفقيه الشاعر الذي قال :

تغلغل حب عثمة في فؤادي

وكأنه يستنكر عليه قوله في الحب فأجابه الفقيه:

لا بد للمصدور أن ينفث!

وكان أول من قال هذه الجملة ثم ذاعت بعده

ومعناها أن من كان في صدره حبسة في أمر ما فلا بد أن يخرجها بنفثه، فلا بأس بقليل من النفث، لكن تخيّر

للإستزداة أنظر كتاب : موت الأسرار للوهيبي

في الختام أنظر بقلبك هذه الحديث

(إذا حدّث الرجل الرجل ثم التفت فهي أمانة)

تخيل رجل يتحدث لرجل و( لا )يقول له هذا سر ،

بل فقط يلتفت لحرصه ألا يسمعه أحد ،

فيعتبر الشرع إلتفاتته إعلانا صامتا بأنها أمانه!

قارن هذا بظاهرة الإفشاء المتساهل في أحاديث وأخبار يؤتمن عليها ،

ثم يجد المرء إذاعة الصباح قد أدّت النشرة

وهذا من أهوال الدنيا والله وعدم صلاحها للمعاش كما في الحديث:

( إذا ضُيِّعَتِ الأمانَةُ فانْتَظِرِ السَّاعَةَ)

محمد أحمد بارحمة

“عشرون شعرة.. وما أثقلَ الحِمل”

لم أفهم كثيرا؛ لماذا سورة هود دون غيرها قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم (شيبتني

في الشمائل المحمدية للترمذي في باب: ما جاء في شيب رسول الله ﷺ:

قالوا: يا رسولَ الله، نراكَ قد شِبتَ، قال: (قد شيَّبتني هودٌ)

والسؤال الذي يأيتيني في نفسي دون بوح؛ ألا توجد في السور الأخرى من القرآن الكريم مافي سورة هود؛ فقصص الأنبياء مبثوثة في أكثر من سور؛ والوعد والوعيد كذلك؟

إلى أن وقفت على جواب

للشيخ أبي الفيض محمد بن عبد الكبير الكتاني (توفي ١٣٨٢هـ) ينقل عن بعض الأكابر فيما شَيَّبه ﷺ من هود؛ قال: «إكثار الله تعالى فيها من ذكر المُبعدين كقوله: “بعْدًا”».أهـ

ومعلوم شفقة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي قام بآية يبكي على أمته يردد في قيامه ﴿إِن تُعَذِّبهُم فَإِنَّهُم عِبادُكَ وَإِن تَغفِر لَهُم فَإِنَّكَ أَنتَ العَزيزُ الحَكيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]

فهذا خوف الإبعاد والطرد

وقد تكررت ووردت (بعدا) في سورة هود أربع مرات

في قوله: (وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [٤٤]،

وقوله: (أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ) [٥٩]،

وقوله: (أَلَا بُعْدًا لِّثَمُودَ) [٦٧]،

وقوله: (أَلَا بُعۡدٗا لِّمَدۡيَنَ كَمَا بَعِدَتۡ ثَمُودُ) [٩٥].

كما أشاركك عزيزي القارئ إعجابي وأنا اقرأ الشمائل النبوية للإمام الترمذي رحمه الله :

تتبع الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه

وهو الذي عاش ملازما للنبي صلى الله عليه وسلم

في أحاديثه عن زيادة شعرات الشيب عند النبي صلى الله عليه وسلم في رأسه الشريف ولحيته

إذ تعددت رواياته لشيبه ﷺ

إذ قال وهو يحكي قلّته :

“كان شيبا في صدغيه”

الصدغين : المنطقة بين الاذن وخلف العين أي جوانب الرأس

ثم نما شعر الشيب في رأسه ﷺ إلى 14 شعرة:

وهو يقول : “ماعددت في رأس رسول الله صلى الله عليه ولحيته إلا أربع عشرة شعرة بيضاء “

ثم روى عشرون شعرة :

” توفاه الله وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء”

وكلها تدل على تتبع عميق لدقيق حياة النبي صلى الله عليه وسلم

اللهم صل وسلم على شفيعنا النبي الكريم وجازه عنا خير الجزاء وأتمّه

مؤامرةُ المطر (جدوى الخبرة أمام الذكاء)

علامة تحذيرية حمراء مكتوب عليها 'الطريق مغلق أمامك' و'ROAD CLOSED AHEAD' في الليل.

لي صديق أحب تعريفه بأنه (خرّيج حُفر)

وهو ألمعي، “سوبر قوقل” في معارفه، ولكنه ارتطم بصخور هدّته قبل بلوغ الأربعين!

ثم ما يفتأ هذا الفتى يدهشني بعودته مبتسما مضرجا بالدماء!

وقبل أن أشرح لكم شفرة جيناته وسبب زلقاته، وهو ما اعترف به وأفسره بطريقتي ،

سأنقلكم إلى ليلة غابرة قديمة من ليالي بغداد الندية :

كان شابا قارئا مرتادا لمحاضن العلم ، يقرأ في كل الفنون ثم يحفظ ويفهم ويبرع فيما قرأ

استبدت به الحياة وقضم الفقر قلبه،

فقرر أن ينحر فقره أسوة بقولة سيدنا علي رضي الله عنه في محمدة مدافعة الفقر ومحاربته: (لو كان الفقر رجلا لقتلته)

فعكف على القراءة في فنون التجارة والبيع

وهندس وحسب وخطط واستخار وأقدم

وبعد أن استنبط بحصافة أن أسعار “التمر” سترتفع بشدة في بلاد الشام بعد شهرين، اشترى بكل ما يملك قافلة ضخمة من التمر ،

انطلقت القافلة، وما لم يكن في حسبان عقل الشاب، هو “خبايا المنعطفات” التي لا ترى بالمرآة الجانبية.

هطلت أمطار غير متوقعة في منتصف المسار، ووقف الشاب مذهولا لا تسعفه نظرياته وهو يرى بوار تجارته ، يقلب كفّيه على ما أنفق فيها وهي خاوية عروشها ويقول ياليتني وياليتني !!

ناصحه عجوز بعد فوات الآوان : يا بني، حساباتك في بغداد والشام كانت صحيحة، ولكنك فوّت قياس أغوار الطريق !

وهكذا،،،

ستظلُّ “الدرعمةُ” والتعالي عن سماع تجارب الكبار، إحدى الخصائصِ التكوينيةِ لعمرِ الشباب الذي نحن فيه.

ولا أعني الكبار سنا فقط ، بل كل الكبار في تجاربهم.

وبشهادة “صديقي الناج” من الحفر، فإن أكثر ما ندم عليه :

لم يختصر الطريق بتجارب الآخرين ممن سبقوه واحتقرها.

كلما همّ أحدُنا بالانطلاق، نظرَ إلى تجاربِ الكبارِ بعينِ المستخف وركن لحدسه وحده!

وظنّ أن شيبَ الكبارِ ليس إلا دليلاً على كثرةِ الحيرة،

ورأى في نصائحهم غلبة “فانتازيا أو حذر” لا تناسبُ عصرَ الذكاء الاصطناعي والتنوير.

وحين تحمل في جيبيك هاتفاً ذكياً، فقد حملتُ عقلا كاملا يكفي لخوض محيطات العالم!

ذكرني هذا التوافق ببنيامين فرانكلين : كان يسجل أخطاءه في أوراق، وبعد سنوات راجعها فوجد أحد أهم هذه الأخطاء: (الاندفاع في تسفيه آراء الناس)

وخاتمة المطاف:

مهما سما جوهر عقلك، فإنه لن يبلغُ بك الصواب دون أن يُسقى بماء التجارب،

ويظلُّ العقل محدودا لا يطرحُ ثمرتَهُ الكبرى، ولا يبلغ غايتَه القصوى إلا بغيثٍ من كثرةِ السماع من المجربين (ورياحٍ لواقح ) من غمار التجارب.

ولمولانا الجاحظ تأكيد في هذا أنقله _بتصرف يسير_ :

“العقل وإن اشتد مغرزه؛ وجاد نحتُه؛ فإنه لا يبلغ بنفسه درك الغاية دون كثرة السماع والتجربة”

نسأل الله الاعتبار وحفظ الأقدام من زلقات الطين ومواطن الحفر .

محلول غير مرخص!

وأنا أشاهد اللاعبين اليوم في كأس العالم يتوقفون “لنداء الترطيب ويشربون lشروبات الطاقة”
تذكرت موقفا بين الشوطين في أحد المباريات كان سببا لكرهي لشراب الفيمتو !

ففي إحدى النزالات التي كنا نلعب فيها كرة القدم في الملعب الترابي بالحمراء بمكة (جوار فندق إنتركونتيننتال)

كان صديقا لنا من البشرة السمراء نحبه حبا عجيبا

وقد رزق قبول وفكاهه

وكانت الكلمة منه تخرج مخرجا كوميديا لا يستطيعه اليوم كثير من رواد (الاستاندب كوميدي)

يخرج من الملعب مؤثرا نفسه مضحيا نيابة عن الجميع مشكورا بين الشوطين ويأتي بـ “ترمس” برتقالي اللون يخرجها مغبرّة من شنطة السيارة .

فيخلط قارورة الفيمتو مع الماء والثلج البارد والسكر، وهو شراب يفعل فينا ماتفعله مشروبات الطاقة اليوم بين الشوطين

في أحد الأيام، نسي صديقنا الملعقة التي يُحرك بها السكر في قاع الترمس.

فما كان منه إلا أن غمس ذراعه، وأدخل يده كلها حتى غاصت إلى كتفه ليحرك السكر، وخلط محلول الملح المنساب من عرقه بصبغة الفيمتو العتيق

حرصاً منه على أن ينعم الجميع بالطعم الحلو!

ولا أدري أريد بي خيرا أم شرا أن كنت شاهدا على رؤيته وهو مستمتع بالعمل النبيل ويبتسم جراء تطوعه .

راضيا عن تداركه للخطأ البرتكولي الصغير الذي يحدث في أحسن العوائل.

ومنذ ذلك اليوم لم أشرب الفيمتو لا في رمضان ولا غيره!

وهذه ظاهرة قرأت عنها ولا أدري عن علميتها _لكن تصدقها التجارب_

حيث تحيل أشهى الأطباق إلى ذكريات مزعجة

تدعى “كراهية الطعام الشرطية” (Conditioned Taste Aversion)،

فيقترن صنف من الطعام بموقف مزعج ، فتُسجل الذاكرة الحسية هذا الارتباط،

وفي كتاب (ميراث الصمت والملكوت)

قصة ظريفة يرويها المثقف عبدالله الهدلق ،

تلخص كيف يمكن لموقف واحد أن ينسف حباً قديماً لصنف من الطعام. يقول: «دعاني أحد الإخوة خارج المملكة إلى بيته، فلما حضرت، جلس معنا صبيٌ له من أكره من رأيت،

قد امتلأ وجهه بالقذارة، ووالده الحاني يضمه إليه في رقة بالغة. فلما حضر العشاء، قلت في خاطري: الآن نرتاح منه!

فأجلسه يأكل معنا، فغثت نفسي، وكدت أموت تقززاً.

ثم إن هذا الكريه رفع رجله وغمزها في صحن القشطة، فابتسم أبوه المغفل تظرفاً لصنيعه، فأطرقت خجلاً، وكرهت بعدها هذا الصنف من الطعام، وكان من أشهاها إلى نفسي».

وللأدباء والمفكرين في هذا الباب صولات وجولات، فقد أدركوا مبكراً أن النفس البشرية رهينة انطباعاتها.

خلد “مارسيل بروست” في “البحث عن الزمن المفقود” كيف يمكن لقطعة مغموسة بالشاي من كعك “المادلين” _وهي كعكة إسفنجية فرنسية صغيرة_ أن تستحضر عالماً كاملاً من ذكريات الطفولة الدافئة .

وعلى النقيض من ذلك، قد تكون الذاكرة المرتبطة بالطعام قاسية ومنفرة،

ومن مقولات أمي (متعنا الله بعافيتها وبرها ) أن ربتنا على كلمة تقولها حين يصاب بالمغص أو التسمم بعد الطعام أحدنا وهي لعلك (شككت في الأكل)

وفلسفة ذلك : أن تشك في طعام لأي سبب ثم تأكله تساهلا في حديث بينك وبين نفسك لايتجاوز الخمس الثواني فتعاقبك بطنك بردة فعل قاسية!

وهذا القول تصدقه الحادثات، فليس ضرباً من الخرافة، بل أخالها من حكم الحياة التي سبقت العلم الحديث.

وصدق أجدادنا قبل أن يقول العلم: أن للأمعاء دماغ ثاني يرتبط مع المشاعر!

ومع اعتذاري لشاعر بني عباس بشّار بن بُرد : فالعين (تأكل) قبل الفم أحياناً!

أجاركم الله من محاليل الطاقة والملح غير المرخصة .

أذكى رحلة في العالم

حين تتأمل الهجرة النبوية للمدينة المنورة
على ساكنها أفضل الصلاة والسلام تقف على لمحات ذكية ، قام بها سيد الخلق ورفيقه أبوبكر رضي الله عنه ،
وهي خطوات مرجعية لكل صاحب بداية جديدة يتطلع للمستقبل المنشود ،
ويكفيك أن تعلم أن هذه الرحلة العظيمة وتفاصيلها غيرت ملامح العالم

1-كل بداية تقتضي التخلص من التبعات السابقة
لقد فوّض النبي محمد صلى الله عليه وسلم ابن عمّه علي بن أبي طالب ليمكث بعده 3 أيام يوزع الامانات على أصحابها، إذ كانت قريش على بطشها به وأصحابه تستودع أماناتها عند النبي صلى الله عليه وسلم
يقول ابن هشام في السيرة : “وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته” فلم يستعملها لا في ضغط ولا مساومة ولا مماطلة وتأجيل ، بل في ظل الخطر المحدق وكّل ابن عمه ليطوي الصفحة بكل مافيها.
2-لا تكن عالة على أحد في رحلتك
لمّا أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالهجرة قال الصدّيق الصادق : يارسول الله عندي ناقتان ، قد كنت اعددتهما للخروج ، فخذ إحدى راحلتي هاتين، فقال الرسول الله صلى الله عليه وسلم : ((بالثمن))
3-اختر الشركاء بعناية
كان أبوبكر يلح على النبي صلى الله عليه وسلم ويستأذنه بالخروج والهجرة، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول له يا أبكر : “على رسّلك فإني أرجو ان يؤذن لي ولعل الله أن يجعل لك صاحب “فانتظر أبو بكر رضي الله أربعة أشهر، وحين أتى جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم بموعد الهجرة قال النبي لأبي أبكر : فإني قد أذن لي بالهجرة
فقال أبوبكر : الصحبة ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : الصحبة .
تقول عائشة وهي بنت الصديق : ما كنت أحسب أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبابكر يومئذ يبكي من الفرح!
لقد كان أبوبكر الصديق خير صاحب وخليل ومحامي وفدائي للنبي صلى الله عليه وسلم وهذا جليّ في مواقف:
– لمّا وصلا الغار قال للنبي صلى الله عليه وسلم: مكانك حتى استبري _أي اختبر_ لك الغار ، خوفا من أيصيبه أذى!
– وظّف أبوبكر كامل عائلته لخدمة النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة ( عبدالله ، عائشة، أسماء ، ومولاه عامر بن فهيرة)
– وكان يمشي تارة أمامه وتار خلفه ،
 فسأله الرسول عن ذلك قال : أذكر الطلب فأمشي خلفك وأذكر الرصد فأمشي بين يديك”
تقول ابنته أسماء رضي الله عنها : لما خرج أبوبكر للهجرة احتمل معه ماله كلّه (خمسة أو ستة آلاف درهم)
وفي يوم وفاء بعد سنوات

قال النبي صلى الله عليه وسلم :
مانفعني مال قط كما نفعني مال أبي بكر
وأبوبكر يبكي ويقول : هل انا ومالي إلا لك يارسول الله !
ولتعلم أثر اقتصاد أبي بكر وفدائه لماله
 روى ابن حبان بسند صحيح على شرط مسلم :تقول عائشة : أنفق أبوبكر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين ألفا !!
4-لا دروشة في المسير ، خطط وتوكل
كلّنا يعلم قولة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر في غار ضيق : (لا تحزن إن الله معنا)
لقد قال هذه المقولة المشبعة باليقين بعد أخذ تدابير وقائية كافية ، لا تواكل فيها وادعاء للبركة ،ولا ومضادة لسنن الحياة الكونية :
1- لم يبت على فراشة تلك الليلة
 2-أتى إلى بيت أبي بكر حين وقت الانطلاق (ظٌهرا متقنعا)
3- اختار طريقا غير مألوف عكس اتجاه المدينة المنورة ليعمّي عن رحلته.
4- اختار دليلا مؤتمنا للطريق للمدينة عبدالله بن أريقط (وكان مشركًا)
5-اختار عبدالله بن أبي بكر يأتي لهما بالأخبار من مكة كل ليلة.
5- عامر بن فهيرة يأتي بالغنم ليغطي آثار زيارة عبدالله بن أبي بكر لهما قبل طلوع النهار
6- أسماء بنت أبي بكر تأتي بالطعام
ثم قال لصاحبه كلمة الطمأنينة “إنّ الله معنا”
5- الثغرات فرصة للابتكار
ربما كثيرون لا يعلمون بأن الهجرة كانت في أواخر شهر صفر، فلماذا نبدأ عامنا الهجري من شهر محرم؟
 في عام من الأعوام وصل صك لعمر بن الخطاب وكان أميرا للمؤمنين مكتوب فيه حكم لرجل على آخر :” وإنه يحلّ عليه في شعبان”
فقال عمر: أي شعبان ؟ هذه السنة أم الماضية أم الآتية ؟
فمن هذه الثغرة بدأ طلبه للصحابة بأن يجتمعوا ويضعوا تاريخ يتعارفون به حلول الديون وغير ذلك
6- التراث ليس متحفًا..التراث انطلاقة
فقال قائل : نؤرخ بتاريخ الروم وقال آخرون : أرخوا بمولد النبي صلى الله عليه وسلم وقال آخرون : بل بوفاته، ولكنّ عمر بن الخطاب حين يقرأ القرآن يقرأ بكامل روحه
فلقد وقف على قول الله تعالى في سورة التوبة :
{لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ}
لماذا اختار الله لفظة (أول يوم)؟ ولم يكن أول يوم بتاريخ الإسلام ولا المسلمين ،فاتفق رأي الصحابة على أنه أول يوم أعز الله فيه الإسلام
واختاروا التاريخ بالهجرة النبوية لظاهر النص أنه اول يوم في التاريخ حين قدم المدينة وأسس المسجد.
واعتمد عمر بن الخطاب شهر محرم لأنه منصرف الناس من حجهم فاتفقوا عليه ، حيث تكون بداية السنة الهجرية من محرم وتنتهي بذي الحجة.
كل عام وأنتم بخير
عاما هجريا مباركا، ومساعِ موفقة
محمد أحمد بارحمة – محرم -كتب في 1447هـ، وأعيد نشره هنا 1448هـ