بين الحبشة وعرفة !

الموقع : مكة المكرمة
التاريخ : 615 م
المسافرون: 15 مسافرا (11 رجل – 4 نساء)
قيمة التذكرة : نصف دينار
الرحلة : من ساحل الشعيبة ميناء مكة القديم – إلى مملكة اكسوم (الحبشة)
وسيلة النقل :السفينة – عدد المراكب: 2/ سفينتان
كان قرار السفر تكتيكا متقدما منه عليه الصلاة والسلام ،
تخطيط من فهم وراقب البيئة والمحيط جيدا،
الحبشة أرض تم اختيارها لثلاث أسباب جوهرية (ملك عادل – منطقة مستقرة بعيدا عن تجاذبات السياسة بين دولتي الفرس والروم – الأحباش أهل كتاب ويفهمون لغة التنزيل)
التعذيب الشديد جعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم كما تحكي أم سلمة رضي الله عنها “إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم عنده أحد فالحقوا ببلاده ،حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا”
ولإعطاء شرعية للرحلة أو ما عرف باسم (الهجرة الأولى)
وخصوصا في ظل شراسة الحملة الإعلامية والميدانية القرشية لم يسافر المستضعفين مثل ابن مسعود وخباب بن الأرت رضي الله عنهما
فحين تتبّع الأسماء المهاجرة تجد نخبة شباب قريش في مطلعها مثل عبدالرحمن بن عوف ومصعب بن عمير والزبير بن العوام رضوان الله عليهم جميعا،
وليس هذا فحسب بل إن الـ 15 مسافرا مثلت جميع بطون قريش عدا بني تيم بن مرة، رهط أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
في صفعة قاسية لقريش حارست مكة!!
ومن بين المسافرين زهرة فؤاده وابنته عليه الصلاة والسلام
رقية زوجة عثمان بن عفان ،
المرأة التي نالها أيضا العذاب نفسيا
إذ كانت زوجة عند عُتبة بن أبي لهب، وحين نزلت ﴿تَبَّت يَدا أَبي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾
أمر أبو لهب ابنه أن يطلقها
فتزوجها الكريم ذو النورين عثمان بن عفان
وعندما انقطعت أخبارهما عنه ﷺ في رحلتهما وجَدَ عليهما وجدا شديدا،
فجاءته امرأة تطمئنه ، فقال النبي ﷺ حينها: “إن عثمان لأول من هاجر إلى الله بأهله بعد إبراهيم ولوط عليهما السلام”
قضى ذلك الرهط بعيدا عن الأرض التي نشأ عليها
تركوا مرابعَهم وفي أحداقِهم وطنٌ يحنون إليه
كلما خلدوا لهجيع الليل غصت الوسائد بالدموع،
ولا يثبتهم إلا الإيمانُ بأن الله (جاعل لهم فرجا ومخرجا) كما وعدهم النبي الصادق بذلك.
الصادق على عكس ما لوّحت قريش بكذبه في تلك الأثناء
وفي أحد الأيام جاءهم الفرح على هيئة خبر مسموم، نادى المنادي:
(قريش كلها أسلمت في مكة)!
والغريب إذا جاءه خبر، فرح به قبل أن يفتّش في صدقه!
وصدق فيهم قول طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا
يقول ابن اسحاق في سيرته : “((فأ))قبلوا لما بلغهم ذلك”
هذه الفاء وحدها تختصر سرعة الفرح؛
ما إن بلغهم حتى أقبلوا !
ومن فرط الشوق ياصحبي نتعثر..
جاءهم الخبر من مكة: “أسلمت قريش”. فربما اهتزت في صدورهم أسماء المواضع: الحرم، والبطحاء، والصفا، ومرابع الطفولة.
ربما قالت رقية في صمتها: أأعود إلى أبي؟ وقال عثمان في قلبه: أتعود قريش بيتًا للإيمان بعد أن كانت دارًا للأذى
لكنهم لما دنوا من مكة، انكسرت البشارة
يقول المباركفوري في الرحيق (رجع منهم من رجع إلى الحبشة، ولم يدخل في مكة من سائرهم أحد إلا مستخفيا أو في جوار رجل من قريش)
ولك أن تتخيل ثقل الشعور ووهن الخطوات
وإن كان الخبر كاذبًا في التقويم، فإنه صادق في المصير
وتدربت الأيام على قول الحقيقة ونفي الشائعات ،فها هو العام الثامن للهجرة عام الفتح أي بعد 15 عاماً من هجرة الحبشة الأولى
ويقف أبو سفيان عند خطم الجبل ليرى 10 آلاف صحابي يدخلون مكة
كلما مرّت قبيلة سأل العباس من هؤلاء ؟ فيقول سليم .. فيقول مالي ولسليم…،
حتى مرّت عليه القبائل التي يعرفها جيدا وهو الذي جمعها لتدفن الإسلام في خندق المدينة يوم الأحزاب
مزينة، جهينة، غفار، أشجع، أسلم.
حتى مرّ النبي صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء فيها المهاجر والأنصاري لايُرى منهم إلا الحدق والحديد
فيقول في مشهد سيريالي أخّاذ يعبر به عمّا نفذ في فؤاده تجاه الإسلام:
والله يا أبا الفضل كنية العباس لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما !!
قال العباس : يا أبا سفيان إنها النبوة ، قال فنعم إذن.
وحسان شاعر الإسلام يقرّب المشهد من العين فيقول:
عدمنا خيلنا إن لم تروها
تثير النقع موعدها كداء
وكان أول المشهد سفينة صغيرة تحمل رهطًا إلى الحبشة، وكان آخره خيلًا تثير النقع موعدها كداء.
والذين دخلوا مكة تخفيا أو في جوار أحد، هاهم يمنحون اليوم الناس بريد الأمان : (من دخل المسجد فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن )
ويكتمل المشهد بعد عامين، في حجة الوداع، يوم نزلت يوم عرفة ﴿ اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتي وَرَضيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دينًا ﴾
كلما فتحت التلفاز في أيام الحج يصيبني شعور طرب وفرح
حين أشاهد الملايين تقف في صعيد عرفات أتخيله عليه الصلاة والسلام منكسا رأسه كما دخلها في تواضع وهو يرى مشروع الإسلام أين بلغ!
ونفهم أن الهجرة والفتح والحج ليست مشاهد منفصمة عن بعضها بل تتمة الرواية:
دين بدأ غريبًا ،ثم أمةً من كل فج عميق
في حبكة اكتمال ربانية : (رهط) يخرج بدينه خائفًا، إلى (أمة) تقف في صعيد واحد، تسمع تمام النعمة واكتمال الدين.
تبدو المسافة بين الحبشة وعرفة أوسع من الجغرافيا،
وهي في حقيقتها طريق أملٍ لا ينقطع، وبذلٍ لا يضيع
وكلما تأخر على كل ذي بذل باب، تهيأت أسباب (إنا فتحنا لك).
محمد أحمد بارحمة
11 ذوالحجة 1447هـ