يحكي لي أحد الأصدقاء قصة خطوبته فيقول : كنت قد وضعت معايير للمرأة التي أريد الزواج بها
دلتني إحدى قريباتي على مشرفة دار تحفيظ فأعطيتها المواصفات وردت لي : ” أبشر خير “
بعد يومين عادت واتصلت بي للتأكد من إحدى الصفات ،
وأخبرتني أنها وجدت فتاة الأحلام بتلك المواصفات،
إلا أنها أرادات التأكد من أمر ، فسألتني هل هناك قبيلة مفضلة ؟
فقلت لها : قبيلة (كذا)
فقالت: سبحان الله البنت من قبيلة “كذا”
“أنت في أي حي؟” فقلت لها بالحي الذي أعيش فيه
فردّت : ” سبحان الله هم للتو ينقلون لهذا الحي!”
وتقدم فعلا صاحبنا الشاب لهذه الفتاة الذي سيق له على حد تعبيره أن تكون مطابقة لما يريده
وما لبث أن مر شهر إلا وقام بفسخ الخطوبة لأسباب عدم التوافق !
سآخذ من وقتك قليلا واضرب مثالا تقريبيا آخر..
شخص من عادته أنه يتردد مع والده للمسجد كل مغرب، وكان والده يتمناه مهندسًا ويناديه:
أهلا بالمهندس مرحبا بالمهندس
في آواخر المرحلة الثانوية وهو في غمرة التفكير في اختيار المسار الجامعي
هل يلبي رغبة والده أم ثمة خيار آخر؟
استلقى ذات جلسة في المسجد فرأى في منامه أنه يلبس قبعة المهندسين ويعمل في وسط بناية كبيرة
فسارع إبان هذه العلامة (المقدسة) لتلبية رغبة والده واختار (الهندسة) ..
مرت السنوات ، وفي آخر سنة له ..
ترك الهندسة وتحول للشريعة!
أتدري كيف يخدعنا العقل؟!
حين تحل الرغبة فينا ، يحول العقل كل الإشارات الغامضة والتي لا معنى لها كبير إلى دليل مقدس (لون /حلم/ رسالة لحظية صادفت أنك تفكر في الموضوع/صدى أغنية تقول لك رووح /توافق في النطق)
ويبدأ بالتعامل معنا كـ خورزميات منصات التواصل تعطينا على قدر اهتمامنا وتظهر لنا مانريد
ديفيد أيغلمان عالم الأعصاب وباحث في الدماغ، في كتابه الدماغ أسطورة التكوين : يخلص إلى أن الدماغ لا يسجل الواقع كما هو ، بل يبنيه عبر تصفية المعلومات
ومثال ذلك : عندما تنظر للسحب وتراها تشكلت على شكل وجه ، أو كائن فهذا ليس سحرًا
بل دماغك هو من يملأ الفراغات!
مخيف أن نظن أننا على صواب،، ونحن خلاف ذلك
مخيف أن نظن الرؤية واضحة،، والعدسة للأسف معطوبة
في أول فجرية من رمضان نظرت لمن حولي في المسجد قبل إقامة الصلاة فوجدت القاسم المشترك بيننا، أننا في الصفحات الأولى من سورة البقرة ، تناقش أول آيات هذه السورة داء وبائي قاتل وهو “الوهم” غير المحسوس :
(هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ) البقرة
(هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ) البقرة
وفي أكثر من عشرة مواضع في القرآن تستغرب كيف ينبي الإنسان قصورا على أرض السراب:
(يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) الكهف
(يحسبون أنهم مهتدون)
وفي وصف الذين استحوذ عليهم الشيطان بسورة المجادلة:
(ويحسبون أنهم على شيء )
كتبت في تطبيق “الباحث القرآني” كلمة: زين لهم الشيطان
وردت تقريبا في 7 مواضع في سياق “الإهمال الرباني”
آيات تريك كيف أنه ربما يتزين للمرء عمله فيراه حسنا وهو موغل في القبيح!!
إنها متاهة أن نكون قابعين في سجن فكرة أو موقف ونظن أننا على صواب
متاهة أن نثق بموضع أقدامنا وهي في موطن زلل
والأثقل من هذا والأمرّ أن يسلب منّا الشعور الذي نحس فيه أننا على خطأ وندخل اللاستشعار
أن تعيش سنوات وأنت تحمـل مسمى لا حقيقة فيه ، وتقف ناحيةً لا وجهة فيها ،
مفكر ضائع..
أو خبير جاهل
أو مبتكر مقلد
أو فيلسوف سطحي
أو تاجر مزور
أو متدين غاش
أو رائد أعمال متباهي بما ليس عنده.
يأتي رمضان كل عام مداويًا، الشهر الذي نسمع فيه مع كل صلاة تراويح
“اهدنا فيمن هديت ، تولنا فيمن توليت ، عافينا فيمن عافيت”
يسهم رمضان والذي سماه الأديب الرافعي “مدرسة الثلاثين يوما”
في تخفيف طاحونة الركض وسيرك الانفلات دون تأكد من الطريق..
والذي يصنعه هذا الشهر الكريم لو أعطيناه حقه: “مكاشفة وفحص”
أنه كاميرا علوية يكشف لنا كامل التضاريس
رمضان فرصة لرجاء الهداية والسداد الذي لا ننفك عن طلبه في كل صلاة (اهدنا الصراط المستقيم)
فتقيم جدار روحك الذي كاد ينقض..
أن تزيل ما علق في أتربة منارتك..
أن تسأل نفسك: على ماذا كنت أتكئ؟
أن تواجه ذاتك الشاردة بالتمنّي الكذوب..
أن تعتني بالندبات المؤجلة..
أن تشد التروس المرتخية..
أن ترتب فوضاك وتخرج من الحيرة..
أن تعود أنقى وأقوى..
رمضان يقول لنا : خذ مسافة لتتحقق من الصورة.. “صورة نفسك”
في تفسير قول الله تعالى
{ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ }
يقول الفضيل بن عياض أي :
لا تغفلوا عن أنفسكم
محمد أحمد بارحمة
4 رمضان 1446 ه
يمكنك مشاركة التدوينة عبر :